شمس الدين السخاوي

195

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

أنسٍ في الصحة ، ولو لم يمكن الجمع بينهما بحيث زال التضاد - إن شاء الله - بين الخبرين وأُعمِلا معاً ، كان القول بأن أحدَهما كافٍ أصح . ولذلك تعقّب الداوديَّ شيخُنا - رحمَه الله - وقال : « إنه لا مُنافاةَ بينهما - يعني بين الحضِّ على النكاح والتماسِ الولد ، وبين الدعاء بعدم حصُول الولد والمال معاً - لاحتمال أن يكون وردَ في حصول الأمرين معاً » . قال : « لكن يعكِّر عليه كراهيتُه لغير أنس ما دعا به له . . . » ( 1 ) ، ثم أجاب عنه بما أسلفتُه معزوّاً إليه . فإن استُشكِل - أيضاً - دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على من لم يؤمن به بكثرةِ المال والولد وطول العمر بمن يشاهَدُ من الكفار والمُقلّين منهما معاً ، بحيث يكون أشقى الأشقياءِ ، فهو من اجتمع عليه فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة ، وهو الذي خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وكذا بمن يهلك قبل الطعن في السنِّ - أيضاً - ، والحالُ أن دعاءَه - صلى الله عليه وسلم - مجابٌ ، أمكن أن يقال : لعلّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد حقيقة الدعاء عليهم ، إنما أراد منه تنفير من يحبهما معاً من محبيه على الوجه المذموم كما تقدم . ونحوه القول في غالبِ من دعا عليهم - صلى الله عليه وسلم - من الكفار ممن تخلّف دعاؤه فيهم بأنه لم يُرد بذلك إهلاكهم ، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا . وقد قيل في « عقرى حلقي » : أن ظاهره الدعاء لكنه غير مراد ، وكذا قيل في « ويل أمه » و « لا أبا له » ، و « ترِبت يداه » ، و « قاتله الله » ونحو ذلك . ويحتمل أن يقال : لعله أراد قوماً مخصوصين في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ، أو يقال بالفرق بين من صدر منه الدعاء عليه بطريق التعيين وبين من اندرج في العموم ، لا سيما بعد نزول قولِه - تعالى - : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ

--> ( 1 ) انظر : « فتح الباري » ( 11 / 138 ) .